صديق الحسيني القنوجي البخاري

535

فتح البيان في مقاصد القرآن

مِنْ وَرائِهِ أي من بعده جَهَنَّمُ والمراد بعد هلاكه على أن وراء هنا بمعنى بعد : ومثله قوله تعالى : وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ [ إبراهيم : 17 ] أي من بعده ، كذا قال الفراء . وقيل من ورائه أي من أمامه قال أبو عبيدة : هو من أسماء الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر ، ومنه قوله تعالى : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ الكهف : 79 ] أي أمامهم ، وبه قال قطرب . وقال الأخفش : هو كما يقال هذا الأمر من ورائك أي سوف يأتيك وأنا من وراء فلان أي في طلبه . وقال النحاس : من ورائه أي من أمامه ، وليس من الأضداد ، ولكنه من توارى أي استتر فصارت جهنم من ورائه لأنها لا ترى . وحكى مثله ابن الأنباري وقال ثعلب : هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك أو قدامك . وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ أي يلقى فيها ويسقى ، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظرين عن رؤيته وهو دم مختلط بقيح يسيل من جلد الكافر ولحمه . وقال عكرمة : هو القيح والدم . وقال محمد بن كعب القرظي : هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر والصديد صفة لماء أو بدل منه ، وقيل عطف بيان له . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 17 إلى 19 ] يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 19 ) يَتَجَرَّعُهُ التجرع التحسي أي يتحساه مرة بعد مرة لا مرة واحدة لمرارته وحرارته ونتنه وكراهته ، وقيل يكلف تجرعه ويقهر عليه ولم يذكر الزمخشري غيره ، وقيل إنه دال على المهلة أي يتناوله شيئا فشيئا ، وقيل إنه بمعنى جرعه المجرد وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ يقال ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سهلا ، والمعنى لا يقارب أن يسيغه ويبتلعه فكيف يكون الإساغة بل يغص به بعد اللتيا واللتي فيشربه جرعة بعد جرعة فيطول عذابه بالحرارة والعطش تارة ، ويشربه على هذه الحالة أخرى ، فإن السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يوجب نفي ما ذكر جميعا . وقيل لا يكاد يدخله في جوفه ، وعبر عنه بالإساغة لما انها المعهودة في الأشربة وقيل أنه يسيغه بعد شدة وابطاء كقوله : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] أي يفعلون